ملف التعصب … أم ملف الأقباط

                          إما أنهم لا يعرفون شيئاً على الإطلاق عن المسيحية وتاريخها في مصرَ أو أنهم على الأكثر يعرفون القليل جداً عن كل ذلك . وتدلني خبرتي المعرفية والثقافية على أن الإنسانَ كما أنه دائماً مُعرّض لأن يكون عدوَ ما يجهل فإنه يكون أيضاً أكثر قدرة على التعايش والتجاور المتحضرين مع "الآخر" عندما يكون مزوداً بمحصولٍ معرفيٍّ واسعٍ عن هذا "الآخر". كان ذلك من جهةٍ ومن جهةٍ أخرى تعاطفي مع "الآخرين" كمعلمٍ من معالمِ تفكيري ووجداني هما الدافع لي أن أغوص في عالمِ المسيحية كما فعلت في عوالمٍ أخرى درستها وتعرفت على دقائقها فأصبح من المستحيل أن توجد بيني وبينها علاقة رفض قائمة على التعصب والشعور بالتميّز في جانبٍ والدونيةِ في جانبٍ آخر (فالمعرفة تمحو إمكانية ذلك كليةً) .
ويمكن تلخيص رحلتي المعرفية مع المسيحية بوجهٍ عامٍ والمسيحية في مصرَ بوجهٍ خاصٍ في المحطات الرئيسية التالية :
الكتاب المقدس :

رغم مطالعتي للكتابِ المقدس (بعهديه) مرات عديدة منذ منتصف الستينات إلاِّ أنني أوليته عنايةً خاصة خلال السنوات العشر الأخيرة حيث طالعته عشرات المرات بدقةٍ شديدةٍ كما طالعت خلال هذه السنوات مئات الدراسات التي وضعها المتخصصون في الكتاب المقدس بمراكزِ بحثٍ عالميةٍ مرموقةٍ وبالذات الدراسات المُعمقة فيما يُعرف بالمصدر الألوهيمي والمصدر اليهووي الأسفار الخمسة الأولى من الكتاب المقدس ثم تركيز أشد على الفترة التي تتعلق بالأنبياء من صموئيل إلى أنبياء الأسر البابلي مع عناية فائقة بعهد وشخصية وأسفار النبي الملك داود . وبنفس القدر كان إهتمامي بالعهد الجديد وبدراساتٍ مرتبطة مثل كل ما نُشر من أبحاثٍ عن لفائف البحر الميت ونجع حمادي .
تاريخ المسيحية :

خلال السنوات العشر الماضية طالعتُ مئات المراجع عن تاريخ المسيحية بوجهٍ عامٍ وتاريخ المسيحية في مصر بوجهٍ خاصٍ وهو ما قادني إلى منطقتين أُخريين من مناطق البحث والدراسة هما دراسات اللاهوت المسيحي بوجهٍ عامٍ ومواقف الكنيسة المصرية من هذه المسائل اللاهوتية ولا سيما في حقبة الخلاف الكبير الأول (الآريوسية والنسطورية) والخلاف الكبير الثاني (حول الطبيعة الواحدة أو الثنائية للسيد المسيح لا سيما إبان باباوية الأنبا ديسقورس) … وثانياً موضوع "تاريخ البطاركة في مصر" حيث أوليت إهتماماً كبيراً بتاريخ البطاركة بوجهٍ عامٍ وبالمحطات الرئيسية في هذا الموضوع ومن أبرزها عهود وشخصيات مثل البابا أثناسيوس الرسولي وكيرلس عمود الدين وديسقورس ثم في العصر الحديث البابا كيرلس الرابع كما أوليت عناية فائقة بعهد البابا كيرلس الخامس .
الرهبنة والأديرة المصرية :

وكان من الطبيعي أن تؤدي رحلة المعرفة بالمسيحية (سواء من زاوية الكتاب المقدس أو من زاوية تاريخ المسيحية ومواقف الكنيسة المصرية من المسائل اللاهوتية وتاريخ البطاركة في مصر) إلى التعرف على عالمٍ رحبٍ آخر هو عالم الرهبنة والرهبان والأديرة في مصر وهو ما تطّلب مطالعة عشرات المجلدات وزيارة عشرات الأديرة في شتى أنحاء مصر .
توضيح :
هذه "المقدمة اللازمة" هي من جهة الكلمة التي بدأت بها واحدة من محاضراتي عن (الُبعد القبطي في رقائق التكوين الثقافي المصري) وهي هنا مقدمة لازمة لورقة إستراتيجية قدمتها لمؤتمر آخر يبحث في الأصولية والتعصب – وهدفي من جمع النصين معاً هو أن أقول ببساطة: أن الجهلَ هو أبُ التعصبِ … كما أن التعصبَ هو الآفةُ التي من رحمها تخرج "المسألة القبطية المتأزمة في مصرَ اليوم" ، وبالتالي فإن المعرفة الواسعة من جهة هي الأداة الوحيدة لاستئصال شافة التعصب (ثقافياً) كماّ أن علاج أعراض المسألة القبطية يبقى أمراً غير مُجدي بدون التعامل مع المطبخ الذي أفرز هذه الأزمة وأعني (مطبخ التعصب). ونظراً لأن هذه الكلمة والورقة التي ستأتي بعد هذه الكلمة كانتا قد أُلقيتا في معهد علمي طالب من المشاركين فيه الالتزام بسرية الندوة لاعتبارات منطقية للغاية فإنني أنشر ما قلته أنا (لإنه بضاعتي الخاصة) ولا أنشر شيئاً آخر قيل في تلك الندوة كما لا أشير لإسم المعهد المنظم للندوة ومكان وتاريخ إنعقادها.
التعامل مع التعصب/ وقود التطرف في المجتمع المصري. التصور العام (الرؤية / الأهداف).
كان المجتمعُ المصري حتى أوائل الخمسينيات متسماً بقدرٍ كبيرٍ للغايةِ من السماحةِ والقبولِ والاحترامِ المتبادلين بين الطوائف المختلفة بما في ذلك الطوائف الدينية وكانت هذه السماتُ أمراً مشهوداً لمصرَ من الأجانبِ الذين يعيشون بها وفي العالمِ الخارجي. ومع تصاعد ما يعرف الآن بالإسلامِ السياسي بدأ المجتمعُ المصري يفقد تدريجياً هذه الملامح الحضارية المتميزة. ومن أكبرِ الأدلةِ على كونِ نقطةِ البدايةِ هي تنامي الإسلام السياسي أن حركةَ التطرفِ عند الأقباط والتي تشكلت تحت إسم جماعة الأمة القبطية والتي قامت بإختطافِ البطريرك يوساب في سنة 1954 كان شعارُها مجرد إعادة صياغة لشعار الأخوان المسلمين : فبينما كان شعار الأخوان المسلمين (القرآن دستورنا) جاء شعار جماعة الأمة القبطية يرفع النداء بأن (الإنجيل دستورنا) وكان الشعارُ القبطي متأخراً بسنواتٍ عديدةٍ عن شعارِ الأخوان المسلمين بما يفيد أن الثاني كان ردَ فعلٍ للأولِ. وعندما وقعت هزيمةُ يونيو 1967 بدا أمام أصحاب مشروع الإسلام السياسي أن الساحةَ خاليةُُ أمامهم: فبعد أن فشل المشروعُ النهضوي الذي تألق في عشرينيات القرن العشرين ثم تراجع أمام مدِ الأفكارِ الفاشيةِ التي مهدت للحربِ العالميةِ الثانيةِ ثم فشل المشروع القومي الذي تأجج في الخمسينيات وفي الستينيات ظن أصحابُ مشروعِ الإسلامِ السياسي أن الساحةَ أصبحت ممهدةً أمامهم وضاعف من هذا الشعور الشعاراتُ التي رفعت في أوائل السبعينات بهدف تحجيم تيار الإشتراكيين والناصريين وأهمها شعار (دولة العلم والإيمان) وشعار (الرئيس المؤمن ) وقد أدي هذا الزخمُ من التصاعد إلى حدث من أسوأ الأحداث في تاريخ مصر المعاصر وهو اغتيال أشخاص ينتمون للإسلام السياسي لرئيس الدولةِ يوم 6 أكتوبر 1981.
واليوم ، فإن ملفاً حساساً مثل ملف الأقباط في مصرَ بما يثيره من تأزمٍ موسميٍ في العلاقات المصرية الأمريكية ما هو إلاَّ انعكاس من انعكاساتِ تفاقمِ ثقافةِ التعصبِ في المجتمع المصري- وعليه فإن علاج الأعراضِ يكون أمراً بالغ الخطأ وغير ذي جدوى،فالحكمةُ تقتضي علاج منبع المشكلة أي (ثقافة التعصب) والتي شاعت في المجتمع قرابة 50 سنة.
ويقتضي التعاملُ مع مشكلةٍ بمثل هذا الحجم والخطورة والأهمية والتشعب وجود جهة معنية بالمشكلةِ وعلاجِها كمجموعةِ تفكيرٍ "Think-Tank " بهدف أن تقوم هذه المجموعة بالإتفاق على السياسات والإستراتيجيات والآليات التي ستستعمل لإحداث التغير الكمي (التراكمي) في عددٍ من المجالات الهامة على رأسها (التعليم) و(الإعلام) و(الثقافة) و(الخطاب الديني في المؤسستين الإسلامية والمسيحية)…وغيرها.
ونظراً لأن هذه "المعالجة" ستكون "طويلة المدى" بطبيعتها فإنه ينبغي أن يسير بمحاذاة هذه المعالجة طويلة المدى تدخلُُ قصير المدى بهدفِ إحداثِ علاجٍ فوريٍّ لبعض حالات الخلل الناجمة عن التعصب لتكون "قدوة" على المدى القصير تساعد برنامج المدى الطويل- على أن تكون الإعتبارات الموضوعية هي أساس هذه التدخلات (مثال: كأن يتم إختيار عدد من الأقباط لشغل مواقع بارزة لا لكونهم أقباطاً ولكن لكونهم الأكثر كفاءة في تلك المواقع في نماذج واضحة لإبرازِ مرجعيةِ "المواطنة" قبل أية مرجعية أخرى).
ويمكن أيضاً تفيعل عدد كبير من "تدخلات المدى القصير" بمحاذاة آليات المدى الطويل بهدف تشجيع وترسيخ روح عامة مناهضة للتعصب مثل وضع قواعد جديدة لإنشاء دور العبادة وإعادة تفعيل دور وزارة الهجرة بهدف إنشاء ديالوج إيجابي جديد مع المصريين بالخارج يقوم على الحوار الذي يهدف لاستئصال ثقافة التعصب من كل جوانب المجتمع المصري.
آليات التعامل.
يمكن تصور عدد من الجهات (المجموعات) التي تعمل على تقليص روح أو ثقافة التعصب وإشاعة روح وثقافة مختلفة تقوم على عدم الخلط بين التَمسك بالدين (أياً كان) وبين التعصب – ونظراً لأن لهذا الغرض مجالات مختلفة فإنه يتصور وجود مجموعات عمل لا تقل عما يلي :
أ – مجموعة التعليم:
وهدفها وضع السياسات والبرامج الكفيلة بغرس قيم التسامح والتعددية وقبول حق الآخرين في الاختلاف والتواجد وتأصيل هذه القيم كقيمٍ تستمد جذورها من الأديان السماوية نفسها ومبادئ الأخلاق والمدنية .
ب – مجموعة الأعلام:
وهي المجموعة التي يمكن أن يكون لها تأثير سريع وملموس على المدى القصير والمتوسط نظراً لما لوسائل الإعلام من قدرةٍ عاليةٍ على التأثير في مجتمعنا – وتقوم هذه المجموعةُ أيضاً بوضع التصورات الأساسية للسياسات والتوجهات التي تمكّن وسائل الإعلام من غرس وتأصيل قيم التآخي والسماحة والتسليم بأن الاختلاف والتعدد من سمات الحياة الإنسانية ومحاربة التعصب والتطرف بشكل عام.
ج – مجموعة الخطاب الديني (الإسلامي والمسيحي) :
لا شك أن الخطاب الديني (الإسلامي والمسيحي) ذو تأثير بالغ على العقول والرأي العام في المجتمع المصري، لذلك ينبغي وجود مجموعة خاصة لوضع سياسة عامة (ثم تفصيلية) للخطاب الديني بهدف نزع بذور وأسس التعصب من الخطاب الديني ذي التأثير الواسع للغاية على الرأي العام في مصرَ.
د – المجموعة الثقافية:
رغم أَن أثرَ "العمل الثقافي" في مصرَ أبطأ وأقل وضوحاً من العمل "التعليمي" و "الإعلامي" إلاَّ ان قطاعات الثقافة المختلفة هي التي تؤثر في "الذين يؤثرون في الناس" لذلك ينبغي وجود خطط قصيرة المدى لتوظيف الثقافة لمحاربة قيم التعصب في المجتمع.
  

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

You may use these HTML tags and attributes: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <strike> <strong>